ميدي 24 / هيئة التحرير
في وقت حسمت فيه أغلب المدن المغربية ملامح الاستحقاقات التشريعية المقبلة، وحددت الأحزاب السياسية وكلاء لوائحها استعدادا لموعد 23 شتنبر 2027، تظل مدينة طنجة حالة استثنائية تخرج عن هذا النسق، حيث لم تُحسم بعد أسماء المرشحين، خاصة داخل الأحزاب المشكلة للتحالف الحكومي، ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول خلفيات هذا التأخر غير المألوف.
وتعيش الساحة السياسية بعاصمة البوغاز على وقع ترقب غير مسبوق، تغذيه موجة من الإشاعات وتسريب أسماء محتملة، بعضها جديد على المشهد، الأمر الذي خلق توترا صامتا داخل عدد من التنظيمات الحزبية، وأثار حزازات بين القيادات المحلية ومناضليها، في ظل صراع غير معلن حول من سيقود اللوائح في واحدة من أكثر الدوائر الانتخابية حساسية وتعقيدا.
في حزب التجمع الوطني للأحرار، ورغم عقد المنسق الجهوي رشيد الطالبي العلمي اجتماعا تنظيميا بمدينة طنجة مع منسقي الجهة، إلا أن اسم وكيل لائحة الحزب ما يزال طي الكتمان، ما يعكس وجود تباين في الرؤى أو انتظار قرار مركزي لم يحسم بعد، مع ترجيح فرضية تزكية وافد جديد على الحزب مقرب من رئيس الحكومة عزيز أخنوش.
الوضع لا يختلف كثيرا داخل حزب الأصالة والمعاصرة، حيث يسود تكتم لافت حول هوية المرشح المرتقب، في وقت تقترب فيه المواعيد الانتخابية، وهو ما يُفهم منه أن النقاشات الداخلية لم تصل بعد إلى توافق نهائي، في ظل ترديد إسم وزير بامي كمرشح وحيد للبام في طنجة، أو أن الحزب بصدد إعادة ترتيب أوراقه في هذه الدائرة الاستراتيجية، يعقب مصدر من داخل البام.
أما حزب الاستقلال، فرغم الدينامية التي أطلقها أمينه العام نزار بركة من خلال لقاءات تنظيمية موسعة شملت عددا من أقاليم الشمال، فإن طنجة بقيت خارج هذا الزخم، حيث لم يُحسم بعد في اسم وكيل اللائحة بدائرة طنجة-أصيلة، ما يعكس تعقيد التوازنات الداخلية وصعوبة التوفيق بين الطموحات المتعددة.
في المقابل، يبدو أن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لم يحسم هو الآخر في اختياره النهائي، رغم تداول اسم البرلماني عبد القادر بنطاهر كمرشح بارز، غير أن معطيات من داخل الحزب تشير إلى بحث جارٍ عن بديل محتمل، في إطار محاولة تجديد النخب أو تحقيق توازن انتخابي أفضل.
حزب العدالة والتنمية يعد الاستثناء النسبي، بعد اختياره المستشار الجماعي محمد بوزيدان كوكيل للائحة، غير أن هذا الترشيح يظل رهينا باستكمال المسطرة الداخلية، والحصول على الضوء الأخضر من القيادة الوطنية، وعلى رأسها الأمين العام عبد الإله بنكيران، ما يجعل الحسم النهائي مؤجلا بدوره.
هذا التأخر الجماعي في إعلان وكلاء اللوائح بطنجة لا يمكن فصله عن خصوصية المدينة، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى دائرة انتخابية معقدة، تتداخل فيها الحسابات السياسية مع الاعتبارات الاقتصادية والرهانات التنموية، فضلا عن تأثيرات المشهد المحلي الذي يعرف تنافسا حادا بين نخب تقليدية وأسماء صاعدة.
كما أن وزن طنجة الاستراتيجي، باعتبارها قطبا اقتصاديا ومجالا للاستثمار ومركزا حضريا متناميا، يجعل من اختيار المرشحين مسألة دقيقة، لا تخضع فقط للمعايير الحزبية التقليدية، بل تمتد إلى حسابات أوسع ترتبط بالصورة العامة للأحزاب وقدرتها على تقديم وجوه مقنعة للناخبين.
في ظل هذا الوضع، تبدو الأحزاب وكأنها تفضل التريث بدل التسرع، في انتظار اتضاح معالم الخريطة الانتخابية بشكل أدق، أو حسم صراعات داخلية لم تخرج بعد إلى العلن، غير أن هذا التأخر، وإن كان مبررا لدى البعض، يفتح المجال أمام قراءات متعددة، ويغذي الشكوك حول مدى جاهزية الفاعلين السياسيين لمواكبة استحقاق انتخابي مفصلي.
طنجة اليوم ليست فقط مدينة تنتظر الإعلان عن أسماء المرشحين، بل تعيش لحظة سياسية دقيقة، قد تعيد رسم موازين القوى داخلها، وتحدد ملامح تمثيليتها في البرلمان المقبل، في سياق وطني يتسم بارتفاع منسوب التنافس، وتزايد انتظارات الناخبين من الطبقة السياسية.

