ميدي 24 / أبو سلمى
أعاد الجدل المشتعل حول تعميم المجموعات الصحية الترابية إلى الواجهة نقاشا قديما جديدا، يتعلق بهيمنة المركز، وتشبث محور الرباط الدار البيضاء بكل مفاتيح القرار، حتى عندما يتعلق الأمر بورش إصلاحي حيوي يفترض أن يخدم المصلحة العامة قبل أي اعتبار آخر.
فبعيدا عن الخطاب النقابي المعلن، تكشف تطورات هذا الملف أن جوهر الصراع لا يرتبط بالدفاع عن الشغيلة الصحية بقدر ما يرتبط بخوف قيادات مركزية من فقدان نفوذها التاريخي، مع انتقال ثقل التسيير والحوار إلى الجهات، حيث ستصبح المكاتب الجهوية المخاطب المباشر للمجموعات الصحية الترابية، وهو ما يهدد مواقع تفاوضية راكمتها قيادات نقابية متمركزة في الرباط والبيضاء لسنوات طويلة.
هذا التخوف تحول، في نظر متابعين، إلى مقاومة صريحة لأي تنزيل فعلي للجهوية الصحية، حتى ولو كان ذلك على حساب إصلاح قطاع يعاني أعطابا بنيوية، فبدل الانخراط المسؤول في إنجاح ورش ملكي استراتيجي، جرى توظيف منطق الضغط والتصعيد، وكأن صحة المواطنين ورقة تفاوضية، لا حقا دستوريا يجب تحصينه.
الأخطر في هذا السلوك، أنه يعيد إنتاج نفس منطق التحكم المركزي، لكن هذه المرة بواجهة نقابية، حيث يتم الدفاع عن امتيازات ضيقة، تحت غطاء شعارات كبرى، بينما يتم تهميش المصلحة العامة، وتجاهل حاجة الجهات إلى استقلالية فعلية في التدبير، تسمح لها بالاستجابة السريعة لخصوصياتها الصحية والاجتماعية.
ولا يختلف هذا المنطق كثيرا عما يجري داخل بعض دواليب الوزارة نفسها، حيث ما تزال عقليات مركزية تناور للحفاظ على صلاحياتها، وتشكك في جدوى نقل القرار إلى المستوى الترابي، في تناقض صارخ مع فلسفة الإصلاح، التي تجعل من القرب والنجاعة أساسا لأي سياسة عمومية ناجحة.
إن ما يحدث اليوم يؤكد أن معركة إصلاح الصحة ليست تقنية فقط، بل هي معركة ضد جشع سياسي ونقابي، يرفض التخلي عن السلطة، حتى لو كان الثمن تعطيل مشروع وطني، والتضحية بحقوق ملايين المغاربة في خدمة صحية عادلة ومنصفة.
وأمام اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يزداد القلق من أن يتحول هذا الورش إلى ساحة تصفية حسابات، واستثمار انتخابي ضيق، حيث تصبح النقابات أدوات ضغط، لا شركاء إصلاح، ويصبح المواطن آخر من يتم التفكير فيه.
إن نجاح المجموعات الصحية الترابية يمر أولا عبر كسر احتكار المركز، سواء كان إداريا أو نقابيا، ووضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار، لأن صحة المغاربة لا يجب أن تبقى رهينة صراعات الرباط والبيضاء، ولا مطية لحسابات النفوذ والمواقع.

